في خطوة تعكس دينامية غير مسبوقة داخل مرفق العدالة، احتضن قصر العدالة بالجديدة،أخيرا، لقاء تأطيريا موسعا، جمع ممثلي النيابة العامة بضباط الشرطة القضائية التابعين للأمن الوطني والدرك الملكي، تنفيذا لمضامين المنشور رقم 25 الصادر عن الوكيل العام لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة. لقاء استثنائي، يحمل في جوهره إرادة واضحة لتأهيل مختلف المتدخلين في سلسلة العدالة لمواكبة المستجدات، التي حملها القانون رقم 03.23، المتعلق بالمسطرة الجنائية، والذي يعتبره عدد من الخبراء تحولا تشريعيا يروم تعزيز الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة.
وخلال هذا الاجتماع، قدم نواب الوكيل العام للملك ووكيل الملك عروضا مفصلة تناولت أبرز التعديلات، التي جاء بها النص الجديد، مع التركيز على الرؤية الإصلاحية التي تنطلق من مبدأ الشفافية والمسؤولية، وإحداث انسجام مؤسساتي بين النيابة العامة وأجهزة الضبط القضائي، بما يضمن التطبيق السليم للقانون، ابتداء من دخوله حيز التنفيذ في 8 دجنبر الجاري.
وتبرز أهمية هذه المبادرة من عدة جوانب أولا، الانخراط الجاد لكل من الوكيل العام للملك ووكيل الملك في مقاربة تشاركية تُشرك مختلف الفاعلين في مناقشة التعديلات الجديدة، مما يعكس حرصاً مؤسساتيا على تنزيل القانون بطريقة مسؤولة وشفافة، ثانياً، التفاعل السريع للنيابة العامة بالجديدة مع منشور رئاسة النيابة العامة، الذي اعتبر بمثابة البوصلة التي توجه مسار تنزيل قانون المسطرة الجنائية الجديد على أرض الواقع. أما الجانب الثالث فيتمثل في التقاطع القوي بين هذا الاجتماع والتوجهات الكبرى التي رسمها جلالة الملك محمد السادس لإصلاح منظومة العدالة، والتي تقوم على ستة مرتكزات أساسية: تعزيز استقلالية القضاء، وتحديث التشريعات وتطوير البنية الإدارية والقضائية، الارتقاء بالموارد البشرية، وتحسين النجاعة، وتخليق الحياة العامة من خلال العدل.
ولا يمكن قراءة هذا اللقاء دون الإشارة إلى انخراط النيابة العامة بالجديدة في النقاش الوطني، الذي فتحه رئيس النيابة العامة في سلسلة لقاءات مع الوكلاء العامين ووكلاء الملك عبر مختلف محاكم المملكة، إضافة إلى اللقاءات الإعلامية التي نظمتها وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة لشرح فلسفة القانون الجديد، وتبديد الالتباسات التي رافقت النقاش العمومي حوله.
وفي سياق هذه الدينامية، يترقب المتتبعون أن تبادر هيأة المحامين بالجديدة، بصفتها شريكا أساسيا في عملية الإصلاح، إلى تنظيم لقاء علمي موسع حول المستجدات، يشارك فيه ممثلون عن رئاسة النيابة العامة ومسؤولو النيابة العامة بالجديدة، لضمان نقاش مهني يقرب مضامين القانون الجديد من جميع الفاعلين، ويجعل تنزيله أكثر واقعية وفعالية.
إن اعتماد قانون مسطرة جنائية جديد ليس مجرد تعديل تقني، بل خطوة إستراتيجية في مسار بناء دولة الحق والقانون، كما أكد جلالة الملك في خطابه التاريخي لمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك والشعب، حيث شدد على ضرورة توطيد ثقة المواطن في القضاء، باعتباره حجر الزاوية في الأمن القضائي وضمان العدالة. ومن هذا المنطلق، يشكل الاجتماع التأطيري الأخير بالجديدة نموذجا عمليا لإرادة إصلاحية تتقدم بثبات نحو تحديث العدالة ورفع أدائها، بما يخدم المواطن ويحمي حقوقه.